الشوكاني

494

فتح القدير

متعلق يناكبون ، والمعنى : أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة عن ذلك الصراط أو جنس الصراط لعادلون عنه . ثم بين سبحانه أنهم مصرون على الكفر لا يرجعون عنه بحال فقال ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ) أي من قحط وجدب ( للجوا في طغيانهم ) : أي لتمادوا في طغيانهم وضلالهم ( يعمهون ) يترددون ويتذبذبون ويخبطون ، وأصل اللجاج التمادي في العناد ، ومنه اللجة بالفتح لتردد الصوت ، ولجة البحر تردد أمواجه ، ولجة الليل ترد ظلامه . وقيل المعنى لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجوا في طغيانهم ( ولقد أخذناهم بالعذاب ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها . والعذاب قيل هو الجوع الذي أصابهم في سنى القحط ، وقيل المرض ، وقيل القتل يوم بدر ، واختاره الزجاج ، وقيل الموت ، وقيل المراد من أصابه العذاب من الأمم الخالية ( فما استكانوا لربهم ) أي ما خضعوا ولا تذللوا ، بل أقاموا على ما كانوا فيه من التمرد على الله والانهماك في معاصيه ( وما يتضرعون ) أي وما يخشعون لله في الشدائد عند إصابتها لهم ، ولا يدعونه لرفع ذلك ( حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ) قيل هو عذاب الآخرة ، وقيل قتلهم يوم بدر بالسيف ، وقيل القحط الذي أصابهم ، وقيل فتح مكة ( إذا هم فيه مبلسون ) أي متحيرون ، لا يدرون ما يصنعون ، والإبلاس التحير والإياس من كل خير . وقرأ السلمي " مبلسون " بفتح اللام من أبلسه : أي أدخله في الإبلاس . وقد تقدم في الأنعام ( وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ) أمتن عليهم ببعض النعم التي أعطاهم ، وهى نعمة السمع والبصر ( والأفئدة ) فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشئ من ذلك لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق ، ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال ( قليلا ما تشكرون ) أي شكرا قليلا حقيرا غير معتد به باعتبار تلك النعم الجليلة . وقيل المعنى : أنهم لا يشكرونه البتة ، لا أن لهم شكرا قليلا . كما يقال لجاحد النعمة : ما أقل شكره : أي لا يشكر ، ومثل هذه الآية قوله - فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم - ( وهو الذي ذرأكم في الأرض ) أي بثكم فيها كما تبث الحبوب لتنبت وقد تقدم تحقيقه ( وإليه تحشرون ) أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم ( وهو الذي يحيى ويميت على جهة الانفراد والاستقلال ، وفى هذا تذكير لنعمة الحياة ، وبيان الانتقال منها إلى الدار الآخرة ( وله اختلاف الليل والنهار ) قال الفراء : هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض ، وقيل اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر ، وقيل تكررهما يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة ( أفلا تعقلون ) كنه قدرته وتتفكرون في ذلك . ثم بين سبحانه أن لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبني على مجرد الاستبعاد فقال ( بل قالوا مثل ما قال الأولون ) أي آباؤهم والموافقون لهم في دينهم . ثم بين ما قاله الأولون فقال ( قالوا أئذا كنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) فهذا مجرد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشئ من الشبه ، ثم كملوا ذلك القول بقولهم ( لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ) أي وعدنا هذا البعث ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم نصدقه كما لم يصدقه ( من قبلنا ، ثم صرحوا بالتكذيب وفروا إلى مجرد الزعم الباطل فقالوا ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب جمع أسطورة كأحدوثة ، والأساطير الأباطيل والترهات والكذب . وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله ( أم لم يعرفوا رسولهم ) قال : عرفوه ولكنهم حسدوه . وفى قوله ( ولو اتبع الحق أهواءهم ) قال : الحق الله عز وجل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( بل أتيناهم بذكرهم ) قال : بينا لهم . وأخرجوا عنه في قوله ( عن الصراط لناكبون ) قال : عن الحق لحائدون . وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم